الثلاثاء، 13 نوفمبر 2018

أوراق سفر...حجر الكهرمان


(1) هذه المرة من الشرق إلي الغرب

إذا ما اتجهت من الشرق إلي الغرب ، وأنت تستقل المترو من محطة راين الاي / بادغودسبرغ لتكون وجهتك الفضاء التجاري بوسط المدينة” بون هاوبت بانهوف" ، فلن يكون لك خيار،إلا أن تمر" بماكس لوبينر شتراسي" ... هناك اعتزمت النزول، لن تشعر بمدة الخمسة عشر دقيقة، والتي تمثل زمن مسافة قطع الطريق، خاصة...متى تبادلت نظرات تعتقد عبرها، انك اسست علاقات، تكتمل بسفارات ، تعلن عن بدايات انطلاق موعد غرامي مع فتاة شقراء الشعر قصيره، لا يسعني إلا أن أطلق عليها بالمجمل... جميلة...لا لست صادقا، فمازال كبرياء الرجولة، ودلال أمي وغنجها لي، يمنعاني عن قول الحقيقة...هذه الحقيقة التي تقول إن هذه الفتاة...أكثر من جميلة ، جلست أمامي تبعد عني مقعدين ارتدت كنزة بوليفول اخضر زاهي ، أرغم عنقها على البروز فانعكس شعاعا يخطف البصر ،يجعل العيون حيارى بين التأمل و الاغفاءة، بين اليقظة و الحلم، فيستحيل النظر أن يزوغ عن مصدر هذا الشعاع. أتاني صوت المنبه وهو ينادي على محطتي المقصودة ، ليرغمني على الوقوف وعيناي مازلت متعلقة بها وتخاطبها في التكرم علي بالنزول معي لترافقني..... لا إجابة ، اندلفت مع الجموع من القبو،أوزع عليهم أجزاء من الخيبة ،التي لا أستطيع تحملها،لأنها ببساطة تضايقني،سالكًا طريقي إلي حديقة الجامعة، أشقها طوليا حتى أصل إلي الفضاء التجاري.
لرجوعي للوطن يبقى أسبوعان... وأنا... الحيرة تقلقني والسؤال لا يكف بالطرق داخلي... ماذا اهدي لها.

وجدت نفسي داخل الصندوق الزجاجي "هارتي"، هذا الكيان الضخم الذي يسمى سوق وهو يتفاخر بأدواره السبعة ، والذي لا أنسى بأنه ضربني على راسي قديما، لأنه تعمد أن تكون أبوابه الزجاجية لامعة ،حتى يتوقف نظرك على النفاذ والرؤية ،فيأتيك الشعور بأنك تدخل إلي مجال اللا رؤية..

من أين أبداء، بالعطور...... بالمقتنيات الجلدية، الإكسسوار.. والملابس ، لا توجد عندي أدنى فكرة ، الابتسامة ترغم أساريري على الانبساط وأنا أتذكر الزيارة الأولى رفقة اختي ، كيف احمرت عيونها من إجهاد النظر ، وهي تتلصص على السلع ...حتى أن نظرتها الطبية لم تحل الأمر، ولم تساعدها، في وقت الحاجة، لتصاب بدوران بعد عشرون دقيقة من التجوال والصمت المطبق، وتطلب مني المغادرة فورا حتى لا يغمى عليها... والحل كان عندها بسيط و سهل ، سندوتش شاورما كأنه عمود ، تتكئ عليه حتى لا تقع ، و تعود المرة القادمة، للسوق شرسة "يا جبل ما يهزك ريح"... فمنذ متى تقتنع النساء بالهزيمة ،ولتعطيني الدرس المستفاد"و هو أنني لم اعد احمل هم القادمين وكيفية وضع خطة لسياحتهم... هذا الكائن هو المقصود وهو الوجهة وهو المعلم السياحي الوحيد الذي يرغبون كل يوم بزيارته مستمتعين بقيادة العربات في مساربه ،هائمين في هذه المتاهة، حيث الأم تنسى وليدها والأخ يفقد أخاه ، والزوجة تسلم في زوجها إلي حين ،ولا احد يعرف احد، إلا من أتى الله بقلب سليم..... لاعجب فهذا زمن الاستهلاك والتفنن في مضيعة الوقت... عموما الهيكل لازال إلى ألان موجود ولكن المالك اسم جديد... الكاوف هوف.

لم أصل إلي قرار وأنا أتسكع في زقاقه كبوهيمي فقررت الخروج ، و قبل خطواتي الأخيرة للخلاص، التقيت بشقراء" أيضا ومرة أخرى "،ولكن هذه المرة،كانت شقراء بتنوره قصيرة ولدت نفس الإشعاع السابق ...هذه المرة، من خلال ساقيين منحوتتين ، ما بالي، أم ما بال هذا البلد ، تعمدت أن أتوجه إليها بالسؤال نظرا لحيرتي فهي إحدى موظفات الاستعلام بالسوق أو نظرا لغايتي بالتحرش بها... لا ادري ولا أريد أن ادري.

ما أعرفه أنها أشارت إليّ ،عندما علمت بأن الهدية تخص امرأة، بأن انطلق فوراً إلي الدور الرابع حيث الملابس الداخلية الخاصة بالنساء، أمام هذه الجراءة المتمردة وهذا الهجوم عليّ.... العنيف لم أجد نفسي، إلا وأنا أهز براسي في اتجاهين متضادين، وبصري حديد، في اتجاه وحيد... الأسفل، لأعبر عن رفضي ،وخجلي الشرقي، أو الطفولي كله سيان، المهم،هو الرفض... فجاءتني الإجابة تتهمني بالغباء مشتما فيها رائحة الشفقة لا الاحتقار... انك لا تعرف ماذا تحب النساء.

في الخارج كنت... يساعدني الهواء البارد على تلطيف درجة حرارتي المرتفعة ، ابحث عن مكان ارمي فيه خجلي؛ وأتخلص من الإهانة... كيف لا يعرف النساء؟! من ظن نفسه الدون جوان. موسيقى غير بعيدة تشدني انسحب إليها ، أنغام بيروفية تعبق برائحة جبال الانديز، أعثر هناك على شقراء المترو.. ولكي أتبث لنفسي بأني أخبر النساء، توجهت إليها مُعرفًا بنفسي من خلال لقبي... على عادتهم، مقتحمًا خلوتها بإختلاق حديث.. لن يكون هناك حديث، أفضل من حديث الهدية.. ، أخرجت مذكرتها اليومية.. فتحتها. رأيت وردة مقطوعة صغيرة مجففة وضعت بعناية مابين صفحتين، قالت :هذه وردة جبلية نادرة أهداها حبيبي إليُ، إنها الأقرب لقلبي... أصابني ذهول، وردة جافة تكاد لا تساوي شيئا،و لن تجدها في أرفف الاستهلاك، سعيدة هي بها، لماذا بادلتني النظرات... إذا لم...؟، أي نعم أيضًا أنا...بادلتها النظرات ولي أيضا حبيبة... لا تهدي، ولكني ذكر وهي أنثى... ولم تذكر الملابس الداخلية... الواقع... إني لا أعرف النساء.

(2) هذه المرة من الغرب إلي الشرق

إلي الشرق انتقلت ، عند السهول المشرفة على بحر البلطيق ،" أوستبروسين"وذلك لأجل زيارة لها دلالة عائلية ، جلست على شاطئ البحر في إحدى أمسيات شهر يونيو ، اعبث بذرات الرمال ، استمع إلي حكاية الشيخ والبحر ... ليست لارنست همنغواي بل للشيخ "أخيم"، يروي على مسامعي، الاسطورة... عندما يظهر القمر يكتمل.. .. يصبح بدر ، يزهو البحر يرقص فرحا على خيوط الضوء يناجي حبيبته القمر ، فيخرج من مكنونه جواهر، ليرميها على أطرافه...على ذرات الرمال...هذه الجواهر مُنعت في الزمن الغابر على عامة الناس، من أجل أن يغتني رجال الدولة والأشراف... المنع وصل إلي حد الشنق...إن الجوهر الذي يستحق كل هذا ليصبح عزيزا، اسمه "حجر الكهرمان".
لقد وجدتها صرخت بأعلى صوتي، في نفسي... الهدية حجر له تاريخ رومانسي من زمان، يرتبط بي... اشتريته.

(3) هذه المرة من الشمال إلي الجنوب

صعدتُ الطائرة ، وأنا أريد لثلاث ساعات أن تُختصر ، كما تقول كروان الشرق "فائزة احمد" (شوقا إلي حبيبي... أكادُ أطير)، لا فكرة تراودني إلا انطباع الحبيبة لرؤية الهدية، ناديت على المضيفة... لأنها امرأة، جعلت الحجر يبادلها النظرات، سألتها عن رأيها... لأنها امرأة... يا للروعة انه جميل. . جميلاً حقا... أدخلت الطمأنينة في نفسي... من المؤكد أيضا حبيبتي.

استقرت الطائرة على المدرج، الفرحة تسير بقدمي فهي في الخارج تنتظرني...... مشتاقة إلى رؤيتي هكذا قالت لي في أخر مكالمة هاتفية... لمحتني من بعيد، لمحتها، لوحت إليُ لوحت لها، بعد لحظات كنت أمامها -- اشتقتُ إليك، ولم تعلمني أن لا أشتاق قالت... أين الحجر؟. أخرجته من العماق، أعطيتها إياه تعجبت لبريقه مدهوشة. يبدو كقصيدة شعر:قلت لها

...لا يساوي الحجر ، جاءت بعد أيام ، وهي تقول هذه العبارة، قبل أن استوضح تابعت، فهي في الأغلب لا تريد أن تسمع، فقط تتحدث...لقد قيمته عند الصائغ فقال انه مجرد حجر هنا في بلدنا لا تاريخ له، مجهول بلا ماضي، إذاً لا معنى له فمن أين أتت له الكرامة.

(4) هذه المرة من الجنوب إلي الشمال

ركبت الطائرة...مرة أخرى ، لا احد في وداعي ، كما كان في استقبالي، لا التفت ورائي، و لسان حالي يقول... أذهب هذه المرة، كي اعرف الناس... أين يوجد الاختلاف والتنوع ؟... لن اعرف، إذا لم أقارن بين المختلفات.

السبت، 10 نوفمبر 2018

أوراق سفر...بدو كجكين

أجبر الجفاف الرعاة البدو في قرية كجكين بمقاطعة كرمان على نقل قطعانهم بحثاً عن المروج. في نفس الوقت الذي يشكل الحرص على منح الأطفال فرصة التعليم. سبباً في تخلي البعض عن نمط حياة البدو. 

مازالوا إلى اليوم ، بدو كجكين ينقلون ما تبقى من قطعانهم إلى المراعي العالية صيفا في المرتفعات قرب مدينة كرمان في رحلتين حالهم حال اسلافهم، الذين قاموا بنفس الهجرة لآلاف السنين. رحلتان، تطعمهم من جوع ، و تأمنهم من خوف .رحلة الربيع تأخذهم حيث السهوب الأكثر خضرة، والأكثر برودة. هناك قطعانهم من الأغنام والماعز ، تتحصل على الغذاء الوفير. ورحلة الشتاء حيث يعود القطيع، قوي ومغذي بشكل جيد .

في المروج انتهى عهد الذهاب بزيارات طوال اليوم إلى مركز الاتصالات، للتواصل مع كل ما هو بعيد عنهم، فطالما شكوا التي من قسم الاستقبال ومعاملتهم. حالياً صارت مهجورة منذ فترة طويلة ، فأفراد قبيلة گرگ المحليين أصبحوا يملكون هواتف محمولة، ليس الرجال فقط، بل حتى النساء.

 باري احمدي، فتاة قامتها منتصبة، شعرها الناعم الاسود طويل حتى وركيها متهدل، تطير الرياح خصلاته، فتزيحهم إلى الوراء، لها عادة أن تلف ذراعيها حول نهديها، ملامحها دقيقة خالية من الزينة، و طرف أنفها شديد الاحمرار، عيناها مشعتين لماعتين قويتين، يبدو هي تحمل جينات وراثية لسلالة گرگ ( الذئب ). ربما لهذا السبب استمدت القبيلة الاسم . اما ساقيها فهما مصقولين بيضاوين...باختصار هي مثيرة للفتنة تحمل بندقية والدتها، ما دامت لم تتزوج ، سيكون لها سلاحها بمجرد أن تقترن بالزواج، ولكن بعد أخذ موافقة الزوج أو الأب. النساء في كجكين سلاحهن يكمل انوتثهن، المختبئة خلف الذكورة.

يمتلك والد باري شاحنة كبيرة لتسهيل تحركاتهم ، ولكن على بعض أفراد عائلة احمدي أن يسيروا نظراً لأن الشاحنة صغيرة تحمل أمتعتهم ،وكبار السن ، والأطفال. في السنوات الأخيرة ، توقفت العديد من العائلات عن الحركة والعيش كبدو بسبب الصعوبات. بالنسبة للآخرين ،كعائلة احمدي فتربية الحيوانات توفر الدخل الوحيد لهم. 

العائلة تتكون من 8 اشخاص، الأخوين الكبيرين، احدهما هومي شد الرحيل إلى استراليا، والأخر علي جرب الحياة في المانيا، تعرف على فتاة اطول منه، جمعت كل الوان السماء في عينيها، ارادت أن تقاسمه الحياة، في صباح قارس البرودة خلال شتاء ما ، رحل راجعاً حيث عائلته ،ربما عادة السفر والترحال من مكان إلى مكان كان السبب في الهجران. اعتقد انه تخلص من المدنية والقوالب الاسمنتية و اولريكي. في يوما ما عاد من المرعى فوجدها تتوسط مكان بين الأب والأم تلاعب باري الصغيرة انذاك، ينهض ابوه يمسكه من يديه ، ويسلم الهارب إلى الفتاة الألمانية كغنيمة والصفقة دخولها للإسلام، ودعهم حتى السهوب قائلاً أياك أن تعود ، اذا ما عدت سأرحل معها أنا.!

في الليل ، اتشارك مع عائلة احمدي في وجبة باغالا بولو على سجاد ملون ممدود. وقبل المنام ، وبينما يتهيأ الجميع لدخول الخيام تختمر عاصفة رعدية تجرف السحب المظلمة فوق الوادي ، ملوثة بخطوط رمادية من المطر. نجاة زوجة احمدي، حرصت إن تطمئن على الجميع، قبل إن تدخل خيمتهما السوداء، المقامة في نفس المكان الذي هاجرت فيه عائلتهما قبل مائة من السنيين، قالت ليّ: كثير من اقاربنا يعيشون في المدن الآن. باعوا قطعانهم للعيش في المنازل "ما هي الفائدة من وجودهم؟"أي نوع من الحياة هي هذه؟"، مشيرة إلى الثقوب في الخيمة. "كان علينا أن ننام تحت ثلاث بطانيات ، ولا يزال البرد يجلدنا بسياطه. أتمنى لو كنت أيضًا أعيش في المدينة. أما احمدي فقال إن برودة الربيع غير متوقعة ، كذلك الأمطار، تغطى جيداً، فالبرد ينخر العظام . 

تستيقظ نجاة،عند الفجر وتجلب الماء من البئر ، قاطعة مسافة طويلة. بعد ذلك تقوم بخبز الخبز وإعداد الإفطار. وغالبا ما تنضم إلى زوجها أثناء قيامها برعي الأغنام وحلبها، كي تصنع الزبادي والجبن. يديها ووجهها كلاهما بلون غامق نتيجة الشمس. وفي ساعات الراحة أن وجدت فإنها تعمل على الكليم أو السجاد...تقول نجاة:
باري ابنتي تركب الحصان، ترعى الاغنام، وتقوم بإرشادها إلى الكلأ، و تساعدني في رعاية اخوتها . "بعد كل هذه السنوات من العمل الشاق ، ليس لدي ما أراه باستثناء هؤلاء الأطفال والشمس". "فرحتنا الوحيدة هي أن نشرب الشاي."

قوانين الميراث الخاصة بالبدو لا تختلف رسمياً عن تلك الخاصة بالإيرانيين الآخرين ، لكن في الممارسة العملية نادراً ما ترث النساء أي شيء. العادات البدوية هي أن تمنح المرأة حقوقها في الميراث لإخوانها.

لطالما قاوم البدو الحداثة من خلال العزلة التي تأتي مع نمط حياتهم. التقاليد العميقة والبطريركية أبقتهم بعيدا على التغيير ، ولكن الجمع بين الجفاف المستمر والعواصف الترابية التي تحول الجو إلى برتقالي اللون والتوسع الحضري على نطاق واسع والإنترنت المتنقل وانتشار التعليم العالي جعل أعدادهم، هؤلاء البدو يتضاءل.

الخميس، 8 نوفمبر 2018

اوراق سفر...دراويش شنايدي

نزلت من القطار، إلى رصيف المحطة، وكانوا في الانتظار رجلان و امرأة...او ربما، ثلاثة رجال، فلولا غطاء الراس الذي أخفت تحته بعناية خصلات الشعر، مثلما أخفت كل الثنايا، والبروز، في تضاريسها...فقط سهوب ممتدة لا حياة فيها، بلا هضاب، وبلا مرتفعات تختفي ورائها الشمس لاختلط علي الامر ، وحسبتها ذكر. لم أسهب في الحديث، متى ركبت السيارة، فقط بعض كلمات تقتضيها المجاملة حتى تمكنني أن اندس في المقعد الخلفي،انزوي ارتاح واريح لمدة ساعة من الزمن، خاصة وقد انهكني السفر بطول الطريق خلال كل الليل، أمنع النوم عن عيناي، هذا دأبي من سنيين، أرفض أن أنام أمام الجموع، فالنوم وسط الكل هو اعتراف مني صريح أحاول جاهداً أن أخفيه.

وصلنا القصر في شنايدي، القابع وحيد في سهل اختفت حدوده بعد أن مُحيت بأبيض الجليد، كل ما بقى من معالمه أشجار تعرت هي الوحيدة بدون خجل، وسط كل هذا التهذيب.

الاسطورة تقول بأن مالك القصر من مائة سنة في أحد غرفه شنق نفسه، وانتحر، فقد ماتت جميع اسماكه القابعة في بِرك الماء حول البناء. هناك من يقول بأن أحدهم نتيجة نزاع وضع السم ، انتهى السمك، و عمر سيد القصر انتهى.

صمت يعم المكان، قادني سيدي عمر إلى غرفة في آخر الفناء وقال لي تفضل ادخل يا مولاي هذا غرفة كبار الضيوف امثال الشيوخ، هي لك. كانت الحجرة مليئة بالاسرة الفارغة، وعلى جدرانها عُلقت آيات قرآنية. ينتابني فضول للسؤال يدفعني إليه شعور بالريبة و الشك. لربما هذه الغرفة التي قبض فيها عزرائيل روح صاحب الأسماك.

دُعيت للغذاء، أو شبيه الغذاء، مع شيخ المجموعة ، وحاشيته و أربعة من النساء هن زوجاته اكبرهن بوسنية، وأصغرهن نمساوية، يبدو أن الشيخ أحمد جمع مُلك ال هابسبورغ من اطرافه.هن جميلات ولكنهن صامتات، أن تحدثن كلامهن همس، وأن سكتن يطول السكوت حتى تحسبه من الامس.جلستا متقابلتان ، شاهقتي البياض كاللبن الصافي شفتاهما رقيقتان، كلتاهما احتشدتا في عيناها سماوات صغيرة، إلا أن واحدة منهن، كلما ابتسمت ادمعت.

باختصار المكان كله في احتضار، إلا عطر يسكن الزوايا مُحتشم. تجولت في المكتبة، وكتبها المستلقية على رفوف دافئة متراصة وكأنها في حلقة ذكر من فيها يتغزل بالحبيب مع رقص الدفوف ، بينما أنا اخرج إلى الفضاء اغازل بعضاً من الغصون المتعراة ببهاء من غطاء بين صفوف الشجر، فلا ينتابني إلا زكام من هذا التحرش، وتأتي صفية التي استقبلتني بالمحطة ببعض الدواء...خذه سيساعدك على النوم، هو منقوع أعشاب الربيع المجمعة من الحقول المحيطة بالقصر: قائلة.
أتمنى ان لا تكون قد تلوثت بالسم...اُجيب.

مع المساء في ثلاثة حلقات اجتمعوا، الخارجية للنساء، تتلوها اخرى للرجال وما بينهما حلقة وحيدة منفردة للشيخ احمد هو وكيل الطريقة البرهانية السودانية في المانيا . كان لا بالطويل ،ولا بالقصير، ولا بالعريض، ولا بالمحصور الكتفين، يرتدي عباءة موشاة بخيوط من الذهب، كأنه ملك من اعماق الماضي انبعث حاملاً خطاياه و مهابته بدأ شعره الذي استرسل من عمامته باهتًا بلون القش، و بشرته شديدة الشحوب، مشدودة على عظام الوجه، وعيون ميتة بدون انفعال، يتكلم دون مودة، ويسلم أيضًا دون مودة، مجرد تلامس لأكف غريبة. اله أسطوري صامت و متسلط و موجود. هل يستحق كل هذه القدسية، ام أنهم كانوا في حاجة إلى قديس.الحكاية تبدو ناقصة. كانوا كبجع أبيض يدورون دورات لا تهدأ، يتسارع بتسارع الانحناء على إيقاع موزون بكلمة الله الله تتحول تدريجيا إلى حشرجة تشبه زفرة الموت، يبدو وكأنها ترسلهم إلى برزخ بين عالمين مختلفين .

دخلت غرفتي لأنام في الليل ليس هناك إلا اصوات الضفادع و جنادب الليل، وهمهمات الطيور، و مواء قطة غريبة في عالم غريب. عند الفجر افقت على صوت الاذان ، وكأن من أذن وقف امام باب الغرفة، يدق علي الباب، ينتظر جواب تأخر فينادي...الصلاة يا مولاي . هو لم يعلم بأن هذا الولي لا يصلي، وإن حدث و صلى ، يصلي بدون خشوع. الطقوس تقلقه، وتكبله، تمنعه من الانطلاق، تسد عليه المنافذ، والأبواب تقتله في الانغلاق. لا مفر ولا خيار في القرار، و قطرات الماء المثلج في الباحة بالانتظار.من حضر افسح لي الطريق إلى داخل المسجد حيث المحراب، بحث بعيناي عن الشيخ أحمد بندوف. لم أجده. لم أسأل، وأنا أفتقد غيابه. جاهدت في الخشوع لأجلهم وحاولت أن انطق ايات بلسان عربي فصيح ، كي يعمهم الفرح، ولا يهمهم الكدر، بأن صلاتهم كان أدائها صحيح.

قضيت طوال اليوم وأنا اتعرف على نشاطهم، وجوانب واضحة من حياتهم ، مطبوعاتهم ، نشراتهم ، صورهم ، و إذا هناك ما خفي فلم اطلع عليه.

في صباح اليوم التالي، غادرت مع صفية المكان الذي لا عنوان له إلا بيت شنايدي. وبينما تبتعد السيارة القيت نظرة إلى الوراء يدفعني سؤال الحياري مثلي هل هم في الزمن الخطأ، والمكان الخطأ...تُجيبني صفية....نعم. تضمني بحرارة، وتودعني بقبلة اخوية، اركب عربة القطار، الذي يستعد للمغادرة بينما أنا الوح لها بيدي من النافذة حتى تغيب، وأغيب أنا، تفصل بيننا السماء ، لا أدري فرح بالخلاص، أما بالذنب حزين....لا اجابة واضحة . كل ما هو واضح عندي حد اليقين مسالك الله غريبة ....و صفية جميلة كالنساء، لها حنين.

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2018

ميثولوجيا الصراع

اعترضوه في الطريق
وحيداً بلا رفيق
و شجرة التوت...لا تستطيع
تمنع أوراقها عن السقوط
و الكرز يشع و يهيج
بأحمر بهيج
يتعرى القمر خلف الغصون،
يُداري أبيض رخامه استحياء،
و خجلاً من العيون،
اوقفوه عن السبيل
يسألوه إلى أين الرحيل
تسير مع الريح.
يقف عنهم بعيد
يتعجب للمصادفة،
ولأسئلتهم التافهة،
يستدعي الذاكرة،
مع صخب مثير للرهبة
تستيقظ الذكريات،
المطمورة
تنساب الكلمات،
في البداية،
متعثرة، مترددة،
يستفيق،
ترتيبها يُعيد،
هذه المرة،
متناسقة، متناغمة،
في عقد فريد،
لقصص مهمشات،
وحكايات منسية،
وكيف يبدأ التاريخ...بامرأة
ترفع سيف حكيم
تطلب نِزال،
اي رجل من الرجال،
يريد بها الاقتران،
إن هي صرعته،
ملكته،
نفذ ما امرته،
لا يقترن بغيرها،
من النساء
وينظر فقط بعينها
و إن هو غلبها،
كانت له تابعة،
و جاريه معه تقيم.
...انه صراع قاسي،
يدور و يطول
لأجل أن تتواصل الحياة،
ولا تفنى الاكوان.

الاثنين، 5 نوفمبر 2018

امرأة تفتش اوراقي

هُنَاك من دخل هنا
اقدس ما لديّ وأشد سَرَّية
ما لا تعرِفينه أنتِ نفسكِ
رسائلي إليكِ الخمسينية
هي في الحقيقة رسائلي أكتبها
واستنسخ جمل كثيرة فيها من دفاتري
فلسفية، تاريخية ، دينية، شاعرية
بلغات عِدة وحُروفًا
ارمية، فارسية، كردية ،
 اردية ،انجلوسكسونية ،
 لاتينية،  امازيغية وعربية
خالطاً أفكاري بمقاطع من المزاح واللَعَبَ
وشيئاً من تأملاتي
ومن تأملات الأخرين
وردية أحيانًا ، وأحيانًا مأساوية
الرسائل هيأت لنا الطريق
أن نتقبل الشوكة والوردة معاً،
كي تكون الحياة طبيعية
لا يمكننا أن نتذمر
فقد كسبنا الحَقّ بالنوم في فراشي
أتلهف بجنون لمعرفة أخباركِ
لتلقي اشارتي
ولكني أخاف أن الغرقى يتمسكون ،
بما يجِدونه في طريقهم
دون قرف من أي قصص وهمية
ضحكت هي الآن بجِدّ ،
ضحكة أطول وأكثر ظرافة من ذي قبل
مُبْهِجة ، مُسترِسلة ...ندية
رجعا إلى غرفة النوم المظلمة
أحدهما يمسك بيد الآخر
تجرأت هي على قول مزحة
بصوت عال
اننا بالرغم من كل شيء نشكل أسرة

الخميس، 1 نوفمبر 2018

طفلة الياسمين


أتَلَمَّسُ المَطَرَ السَّائِلَ عَلَى وجتيكِ
وَقَدْ أَجْتَمِعُ فِيهَا التَّمَرُّدُ وَالرَّفْضُ
مَعَ بَرِيقٍ اللُّؤْلُؤُ وَاللَّمَعَانُ
... تَصْمِتِينَ
تَخْتَنِقِينَ بِالتَّعْبِير
دَمْعًا تَذْرِفِينَ
يُرْغِمُهُ الزَّمَانُ عَلَى الجَرَيَان
لَوْ أَخْرَجَتْ كَلَامًا لِلَحْظَة
لَعَنُفَتْ الجَمِيعُ دُونَمَا شَفَقَة
مِنْ غَيْرِكِ عَرَفَ مَضَضَ الهَزَائِمِ
تُحَارِبُكِ أَنْتِ الأَقْدَارُ
وَنَعْرِفُ مِنْ الأَخْبَار
أنكٍ خَسِرْتِهَا تَمَامًا
وَيُجَنِّبُ الهُمُومَ وَالأَلَمَ وَالمُعَانَاةَ
أخرين،
مُمْتَنِّينَ لَهُ، وَ عِرْفَانًا
يَجْلِسُونَ هُنَا مُتَفَرِّجَيْنِ
بِالنَّمِيمَةِ وَ الحِقْدِ مَشْغُولَيْن
مُعْتَنِين بِأَنْفُسِهُمْ مَهْمَا كُلَفَهُمْ الأَمَرَّ
أَنَانِيِّين
فَقَطْ قَلِيلٌ ...لَا يُؤْمِنُونَ،
إِلَّا بِالإِنْسَانِيَّةِ مِنْ الأَدْيَانِ
يُقِيمُونَ الدُّنْيَا وَلَا يُقْعِدُونَ
سِلَاحَهُمْ... بَيْتَهُمْ صُرَاخُهُمْ قَلَمَهُمْ
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعُ مِنْهُمْ
غُرَبَاءَ... بِالأَنِينِ يَكْتَفُونَ
أَهْوَنُ الإِيمَان.

الأربعاء، 31 أكتوبر 2018

ثلاثة أو اربعة

كانوا ثلاثة في الحياة
القيثار وهي واغنية
أو أربعة إذا ما حسبنا السماء
ترعرعوا معًا
متى ناديت إحداهما
يهرع الآخر لك
كانوا يضحكون،يبكون،يتسألون،يؤمنون.
القيثارة لها ثقب في صدرها،
وأيضًا هما
ناموا على أرضية من طين
فقراء،
بعد حين،
ناموا على فراش من ريش،
محتضِنين،
يغنون للحشود،
ليوم سيعود
يحلمون فيه،
بتحقيق الوعود،
لصبي وصبية
اهملتهم الظروف
وهجرتهم الأيام
ونسيتهم الحروف
يتذكران موقف ما،
يبتسمان، يتشابكان، وينامان.
لقوس قزح،
انبثق. زرع امل،
بعد غيوم.غمز المطر.
لعاشقة كتبت على الشجر،
كلمات حب وخوف،
لا تُمحى، ولا ترحل مع النهر.
لراقصة ترقص،
على انغام شهوانية
تفتح الاجنحة،
تستهزي برقصات الصالونات المخملية.
في يوما ما،
القيثارة نادتها هي والأغنية،
ولم يهرعا لها.
عاشت ذلك اليوم فقط،
وبعدها لم تعش قط.